عقلية الضحية

ترجمة : أحمد باصرة

 التركيز المستمر على المظالم قد يكون منهِكًا؛ تشير العلوم الاجتماعية إلى أن هناك طريقةٌ أفضل

تقييم سريع:

حدد مدى موافقتك على كل عنصر من هذه العناصر على مقياس من:-

1 ("لست أنا على الإطلاق") إلى 5 ("هذا هو أنا"):

  • من المهم بالنسبة لي أن يعرف الشخص الذي قام بإيذائي بأنني تعرضت للظلم.

  • أعتقد بأنني أكثر وعيًا وأخلاقية في علاقاتي مع الآخرين مقارنة بمعاملتهم لي.

  • عندما يشعر الأشخاص المقربون مني بالأذى بسبب أفعالي، من المهم جدًا بالنسبة لي أن أوضح بأن العدالة كانت في جانبي.

  • من الصعب جدًا بالنسبة لي أن أتوقف عن التفكير في الظلم الذي ارتكبه الآخرون في حقي.



إذا حصلت على درجة عالية (4 أو 5) في كل هذه العناصر، فقد يكون لديك ما حدده علماء النفس على أنه "ميل إلى الضحية البين شخصية (بين الأشخاص)".

الغموض الإجتماعي

الحياة الاجتماعية مليئة بالغموض. لا يبتسم أصدقاؤك دائمًا لك عندما تبتسم لهم، وأحيانًا يكون للغرباء مظاهر الإنزعاج على وجوههم. السؤال هو: كيف تفسر هذه المواقف؟ هل تأخذ كل شيء على محمل شخصي أم أنك تعتقد أنه من المرجح أن يكون صديقك يمر بيوم سيء، وأن الشخص الغريب في الشارع كان غاضبًا من شيء ولم يلاحظ وجودك أساسًا؟


بينما يميل معظم الناس إلى التغافل وتجاوز هذه المواقف الغامضة اجتماعيًا بسهولة نسبية -بتنظيم عواطفهم والاعتراف بأن الغموض الاجتماعي جزء لا مفر منه من الحياة الاجتماعية- يميل بعض الناس إلى اعتبار أنفسهم ضحايا دائمين. تُعرِّف العالمة النفسية راهاف غاباي وزملاؤها هذا الميل إلى الضحية البين شخصية على أنه "شعور مستمر بأن الذات ضحية، وهو شعور معمم عبر أنواع كثيرة من العلاقات. نتيجة لذلك، يصبح الإيذاء جزءًا أساسيًا من هوية الفرد". يميل أولئك الذين لديهم عقلية الضحية الدائمة إلى أن يكون لديهم "مركز خارجي للسيطرة"؛ يعتقدون أن حياة المرء تخضع بالكامل لسيطرة قوى خارجة عن إرادته، مثل القدر أو الحظ أو رحمة الآخرين.


استنادًا إلى الملاحظات والبحوث السريرية، وجد الباحثون أن الميل إلى الضحية البين شخصية يتكون من أربعة أبعاد رئيسية: (أ) السعي المستمر للاعتراف بكون المرء ضحية، (ب) النخبة الأخلاقية، (ج) عدم التعاطف مع ألم ومعاناة الآخرين، (د) الاجترار المتكرر حول المظالم التي حدثت في الماضي.


من المهم الإشارة إلى أن الباحثين لا يوازنون بين التعرض للصدمات النفسية والإيذاء وبين امتلاك عقلية الضحية. يشيرون إلى أن عقلية الضحية يمكن أن تتطور دون التعرض لصدمة شديدة أو ظلم حقيقي.


عقلية الضحية


السعي باستمرار للاعتراف بكون المرء ضحية:

 أولئك الذين يسجلون درجات عالية في هذا البعد لديهم حاجة دائمة لأن يعلم الآخرين بمعاناتهم. بشكل عام، هذه استجابة نفسية طبيعية للصدمة. يميل الذين تعرضوا للصدمة إلى محاولة "تحطيم افتراضاتنا" حول العالم كمكان عادل وأخلاقي. يعتبر الاعتراف بكون المرء ضحية استجابة طبيعية للصدمة ويمكن أن يساعد في إعادة بناء ثقة الشخص في تصوره للعالم كمكان عادل ومنصف للعيش فيه.



النخبة الأخلاقية:

أولئك الذين حصلوا على درجات عالية في هذا البعد يعتبرون أنفسهم يتمتعون بأخلاق نقية ويعتبرون أي شخص آخر غير أخلاقي. يمكن استخدام "النخبوية الأخلاقية" للسيطرة على الآخرين من خلال اتهام الآخرين بأنهم غير أخلاقيين أو غير منصفين أو أنانيين، بينما يعتبر المرء نفسه أخلاقيًا للغاية.

وأيضًا يمكن أن تصبح النخبوية الأخلاقية آلية دفاع نفسية ضد المشاعر المؤلمة للغاية وكوسيلة للحفاظ على صورة ذاتية إيجابية.



عدم التعاطف مع آلام ومعاناة الآخرين:

الأشخاص الذين يسجلون درجات عالية في هذا البعد منشغلون جدًا بكونهم ضحية لدرجة أنهم غافلون عن آلام ومعاناة الآخرين. تُظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين تعرضوا للظلم للتو أو الذين تم تذكيرهم بالوقت الذي تعرضوا فيه للظلم يشعرون بأنهم يستحقون التصرف بعدوانية وأنانية، وتجاهل معاناة الآخرين وأخذ المزيد لأنفسهم بينما يتركون تعاطفًا أقل للآخرين. تشير إميلي زيتك وزملاؤها إلى أن هؤلاء الأفراد قد يشعرون كما لو أنهم عانوا بما فيه الكفاية حتى لا يشعروا بعد الآن بأنهم ملزمون بالاهتمام بألم ومعاناة الآخرين. ونتيجة لذلك، فإنهم يفوتون الفرصة لمساعدة أولئك الذين يُنظر إليهم على أنهم خارج المجموعة.


يمكن للمجموعة المنشغلة تمامًا بمعاناتها أن تطور ما يشير إليه علماء النفس على أنه "كبرياء الضحية"، حيث لا يستطيع الأعضاء رؤية الأشياء من منظور المجموعة المنافسة أو الخارجية، أو يكونون غير قادرين أو غير راغبين في التعاطف مع معاناة المجموعة المنافسة، وليسوا على استعداد لتحمل أي مسؤولية عن الضرر الذي تسببه مجموعتهم.



الاجترار المتكرر حول مظالم الماضي:

أولئك الذين سجلوا درجات عالية في هذا البعد يجترون ويتحدثون باستمرار عن مظالمهم وإساءاتهم الشخصية وأسبابها وعواقبها بدلاً من التفكير أو مناقشة الحلول الممكنة. تظهر الأبحاث أن الضحايا يميلون إلى اجترار إساءاتهم الشخصية وأن مثل هذا الاجترار يقلل من الدافع للتسامح وزيادة الدافع للثأر أو الإنتقام.



عواقب عقلية الضحية

حددت غاباي وزملاؤها ثلاثة تحيزات معرفية رئيسية تميز النزعة إلى أن تكون ضحية بين شخصية:


التحيز في التفسير: 

ينطوي التحيز في التفسير الأول على العدوانية المتصورة لحالة اجتماعية. وجد الباحثون أن الأشخاص الذين لديهم ميل أعلى لعقلية الضحية ينظرون إلى الإساءات منخفضة القسوة (على سبيل المثال، نقص المساعدة) والإساءات شديدة القسوة (على سبيل المثال، الإساءة العدوانية فيما يتعلق بنزاهتهم وشخصيتهم) على أنها أكثر شدة.


عزو السلوكيات المؤذية: 

أولئك الذين يميلون إلى أن يكونوا ضحايا كانوا أكثر عرضة لعزو النوايا السلبية من جانب المخطئ وكانوا أكثر عرضة للإحساس بمشاعر سلبية بحدة أكبر ومدة أطول بعد أي حدث مؤلم.


التحيز في الذاكرة:

 أولئك الذين لديهم ميل لعقلية الضحية لديهم أيضًا تحيز أكبر للذاكرة السلبية، ويتذكرون المزيد من الكلمات التي تمثل السلوكيات العدوانية ومشاعر الأذى (على سبيل المثال، "الخيانة"، "الغضب"، "خيبة الأمل")، ويتذكرون المشاعر السلبية بسهولة أكبر.


من الضحية إلى الازدهار

الحقيقة هي أننا نعيش حاليًا في ثقافة تؤكد فيها العديد من الجماعات السياسية والثقافية والأفراد على هويتهم كضحية ويتنافسون في "أولمبياد الضحية".


ولكن، إذا كانت عمليات التنشئة الاجتماعية هي التي غرست في الأفراد عقلية الضحية، فمن المؤكد أن نفس العمليات يمكن أن تغرس في الناس عقلية النمو الشخصية. ماذا لو تعلمنا جميعًا في سن مبكرة أن صدماتنا لا يجب أن تحدد هويتنا؟ هل من الممكن أن نكون قد تعرضنا لصدمة وأن لا تشكل عقلية الضحية جوهر هويتنا؟ أنه من الممكن حتى أن تنمو وتزدهر من الصدمة، لتصبح شخصًا أفضل، لاستخدام الخبرات التي مررنا بها في حياتنا من أجل العمل على غرس الأمل والإمكانية للآخرين الذين كانوا في وضع مماثل؟ ماذا لو تعلمنا جميعًا أنه من الممكن أن يكون لديك اعتزاز وفخر مناسب لمجموعتك دون وجود كراهية تجاه المجموعة الاخرى؟ إذا كنت تتوقع اللطف من الآخرين، فمن المفيد أن تكون لطيفًا مع نفسك؟ أن لا أحد ملزم على أي شيء، لكننا جميعًا نستحق أن نُعامل كبشر؟


إذا ماحدث ذلك ستكون نقلة نوعية تمامًا، ولكن سيكون ذلك متسقًا مع أحدث العلوم الاجتماعية التي توضح أن عقلية الضحية الدائمة تقودنا إلى رؤية العالم بنظارات وردية وغير حقيقية. اما من خلال عدسة واضحة، سنكون قادرين على رؤية أنه ليس كل شخص في المجموعة الخارجية شرير، وليس كل فرد في مجموعتنا قديساً. نحن جميعًا بشر لدينا نفس الاحتياجات الأساسية للانتماء، وأن يُنظر إلينا، وأن تُسمع أصواتنا، وأن يُهتم بنا.

إن رؤية الواقع بأكبر قدر ممكن من الوضوح هي خطوة أساسية لإجراء تغيير طويل المدى، وأعتقد أن إحدى الخطوات المهمة على هذا الطريق هي التخلص من عقلية الضحية الدائمة من أجل أن نصبح أكثر إنتاجية وأكثر تفاؤلاً وقابلية لبناء علاقات إيجابية مع الآخرين.


رسالة امعان: 

لن يستطيع الجميع أن يراك "كما أنت" ولا بأس بذلك فالأهم هي نظرتك أنت .. "كيف ترى نفسك" من هنا يحدث التغيير!

https://www.scientificamerican.com/article/unraveling-the-mindset-of-victimhood/